بحث في الموقع

أحدث المقالات

عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد... عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي* ساهم تسارع تطور التجربة الشعرية عند محمد الثبيتي في رفع وتيرة الإرباك الذي مس من كانوا يناصرون تلك...
«البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد «البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد أحمد الحربي في الأسبوع الماضي دعوت عددا من المثقفين والإعلاميين في بيتي على شرف الإعلامي المتميز ...
الأمير يقرأ الثبيتي في "أسارير البلاد" الأمير يقرأ الثبيتي في جازان: الوطن   صدر للشاعر علي الأمير "الثبيتي يتلو أسارير البلاد" وهو دراسة حملت عنوانا فرعيا "الإيقاع...
محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء شوقي بزيعلم يطل العمر بمحمد الثبيتي لكي يذهب بإنجازه الشعري المتميز إلى تخومه الأخيرة، أو يستنفد بشكل...
نزار الثبيتي: قزان أخبرني بإعدام «التضاريس»... ورفض تسليمي... جدة - سعد الخشرميأوضح نزار نجل الشاعر الراحل محمد الثبيتي أن نادي جدة الأدبي رفض تسليمه كامل نسخ ديوان...

 الرياض: هدى الدغفق
على الرغم من مضي ما يقارب السنة على اللحظة التي أعلن فيها جسد الشاعر محمد الثبيتي التعب، إلا أن أسرته هناك في مكة بقيت متماسكة تحن إلى الأب والإنسان قبل الشاعر الذي أحال حياته لقصيدة، طبقا لرفيقة دربه وابنة عمه السيدة موزة الثبيتي. عندما تحدثت إلى أم يوسف زوجة الثبيتي بكينا معا.. وهي تردد: (وحشتنا دونه، شوقنا، حنيننا).

لم أستغرب أن يكون الثبيتي بما سكنه من إلهام قد أحاط من حوله من عائلته وأصدقائه بالشعر. الشعر حالة دائمة في حضرة الثبيتي غذاء روحي لا يستغنى عنه. استمعت إلى صوته وكان العود المصاحب لإلقائه ينطق بحروفه المعزوفة وكأنه أصابع الوتر تعزف نص الثبيتي في أوتار القلب فيهطل علينا هتان من الأحاسيس لندخل إلى سماء الثبيتي وهي تمطر صحو معانيها الشعرية.

بعد أن سلمت على أم يوسف ورحبت بي وتحدثنا بشيء من الخصوصية عن حال أبي يوسف كانت تقول وهي تدعو معي له بالشفاء: (الله يسمع منك)، وعندما اعتذرت منها لأنني سأنبش جراحها وبعض آلامها بمرض أبي يوسف قالت بمشاعر الزوج الوفية: لم أنس ما حدث لتذكريني به. ومضت تسرد لـ"الوطن" تفاصيل قصة التعب التي وقعت في مارس الماضي: في ذلك اليوم نزل من مكتبته ولم يكن يشعر سوى ب(نغزة) خفيفة في صدره كما ذكر.

كانت البداية قبل ثلاث سنوات تقريبا إذ أصيب بجلطة خفيفة وقال له الطبيب (خذ هذا الأسبرين لتنظيم الدورة الدموية لديك). قبل تعبه الأخير كان في رحلة إلى اليمن ضمن وفد أيام ثقافية سعودية. كنت على اتصال به هناك وكنت أشعر من صوته وأنفاسه أنه متعب وكنت ألح عليه باستمرار أن نذهب إلى المستشفى ويصر هو على ألا يذهب لأنه (بيتوتي)، ولا يحب الخروج كما أنه لا يحب المستشفيات. هناك في اليمن تعرض لنزلة برد أثرت على جهازه التنفسي وبعدها بأسبوع حدث له ما حدث، حاولت أن أذهب معه إلى المستشفى لأنه ربما اعتقد الطبيب أن ضغطه ارتفع – ولم يعلم بحبة الاسبرين التي تناولها - وأعطاه حقنة لخفض الضغط لا أعلم!، لكن الجلطة ازدادت قوة بعدها، فتأثر القلب والمخ تبعا لذلك وهو ما حدث.
ارتفع صوت أم يوسف بالنشيج وتابعت: أنا متماسكة أمام أولادي، لا أستطيع التعبير لأصف محمداً بما يستحقه، وبكت وهي تردد (والله محمد أستاذي هو الذي علمني كل شيء وفتح عيوني على كثير من الأشياء).
وعلى الرغم من محاولتي النوم في ذلك الوقت المتأخر على غير عادتي إلا أن صوت أم يوسف وهي تبكي غياب زوجها لم يغادر سمعي، اصطحبت مجموعة الثبيتي الكاملة إلى سريري ومعها ألبومه الصوتي الذي أصدره نادي حائل الأدبي.
استمعت إلى إلقائه وكأنني أستمع إلى صوت من عالم آخر يسكن غابة الشعر، الآن أدركت كيف أسر (أبو يوسف) قلوب من حوله إلى هذا الحد من الحب فكبر افتقاد الجميع له.
حين صمتت أم يوسف قليلا، سألتها عن قربى النسب التي تربطها بمحمد فأجابت: (حبيبتي حنا عيال عم، تزوج والدي لينجب بنتا ويزوجها لمحمد) أراد أن يربط أخاه بصلة رحم أخرى تبقى مدى العمر لأن والدي يحب محمداً جداً، ليس لأبي يوسف أخ، وكان لي سبعة إخوة ذكور، أتممنا حتى الآن 32 عاما من زواجنا ولم يمر يوم إلا وأشعر أنني تعرفت عليه البارحة، لم نفترق!.
تبكي أم يوسف وتقول: لا تكتبي عنه شيئا أرجوك لأن حبي له لا يكتب، أحب كل من يحبه، لذلك قلت له: لن أقيدك بشي ما حييت، من يوم عرفت أنه شاعر قلت له: (أنت حر طليق سوي اللي تبغى).
كنت وأنا أستمع إلى أم يوسف أردد في وعيي أن الشاعر محمد الثبيتي لم يختر هذه المرأة العظيمة عبثا، عندما تحدثت إليها أدركت مدى وعيها، امرأة استطاعت أن تتكيف مع حياة شاعر على ما يعرف من حياة المبدعين وبخاصة الشعراء من حساسية مفرطة ومزاج متغير متقلب بحكم شفافيتهم العالية وقلقهم الفطري وتأثرهم الوجداني بما يحيط بهم.
تواصل أم يوسف حديثها: أتمنى أن يتبدل عمري بعمر محمد وأعطيه إياه، وآخذ عنه كل الأمراض.
تتذكر مواقف الآخرين من المخلصين المحبين لزوجها: كلهم يدعون له، من يستطع أن يساعده فليمد له يد العون. وربي لم يؤذ أحداً ولم يقصر في مساعدة سواه.
أما نزار (سبع وعشرون عاماً) الذي يقيم مع والده في الرياض منذ ثلاثة أشهر، فيروي لـ"الوطن" لحظة إصابة والده بقوله: أحس بتعب واتصلت على أخي يوسف (30عاماً) أخذناه إلى مستوصف قريب في الحي وحقنه الطبيب حقنة بقوة (1000) اسم الإبرة (ميت بو راين) وبعدها ببضع دقائق حصلت إغماءة لوالدي، أظن أن القلب توقف آنذاك وصرخت في وجه الطبيب الذي حاول أن يقوم بإنعاش القلب. المستوصف يبعد عشر دقائق عن البيت. أبي كان في مكتبته وخرج إلينا وهو متعب قليلا وبعدها ازداد تعبه، ربما أنه تعرض للبرد لأنه كان مستحما، لم نخبر أمي وأخواتي إلا أنها كانت نوبة برد، بعد نقله من المستوصف نقل إلى مستشفى الملك فيصل بمكة، ثم إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي في جدة وأقام فيها ثلاثة أشهر تقريبا، ثم مستشفى الملك عبدالعزيز في المحجر ولم يكن هناك علاج طبيعي أو تأهيل بشكل جيد ولذلك تم نقله إلى الرياض في مدينة الأمير سلطان للخدمات الإنسانية.
هوازن فاتحة القلب
كتب الشاعر الثبيتي إحدى قصائده في ابنته الكبرى هوازن (25 عاما) التي تخرجت قبل عامين في قسم الفيزياء. حين خرجت قصيدة (هوازن فاتحة القلب) كانت آنذاك في سنتها الثانية، هوازن تتذكر آخر حديث لها مع والدها: آخر حديث جمعني بوالدي كان عن توظيفي، فقد كان يسعى أن يجد لي مكانا يليق بهوازنه كما يقول، كان يرغب أن أعلم الفيزياء.
عند نقل أبيها للمستشفى تقول هوازن: كنا في المنزل، كان الجميع مستيقظا. ثم تسكت بغصة ألم ظاهرة في صوتها وتكمل: لا أحب الحديث في هذا الموضوع. كان تأثرها بما وصل إليه حال والدها بالغا، تحاول الآن تجميع كل ما يمت إلى والدها بصلة لأنها ستنشئ له موقعا إلكترونياً يضم كل نتاجه الشعري والفكري وحواراته منذ خمسة وعشرين عاما ليكون جاهزا خلال شهر.
قلت لها هل تفهمين شعر والدك؟ قالت: أفهمه، لماذا لا يفهم شعر والدي؟ وحتى إن تخصصت في الفيزياء لكن والدي الثبيتي!. ألقي على أبي بعض شعره وأكتب له قصائده، إلا أننا جميعا نحب مساعدة أبينا والاهتمام به.
على غير عادة العائلة التي ينتمي إليها المبدعون كانت أسرة محمد الثبيتي محبة لشعره مهتمة به، قرأت هوازن لي:
(مضى شراعي بما لا تشتهي ريحي/ وفاتني الفجر إذ طالت تراويحي.
أبحرت تهوي إلى الأعماق قافيتي/ ويرتقي في حبال الريح تسبيحي) مطلع قصيدة (بوابة الريح) التي تحبها وهي آخر ما كتب والدها كما تقول. أخذنا الحديث (هوازن وأنا) فتحدثنا إلى بعض أصدقاء محمد الثبيتي ومرت من الذاكرة قصيدة (القرين) التي كتبها الشاعر عبدالله الصيخان على إثر حادثة الثبيتي الأخيرة. وكتب في مطلعها: إلى أخي محمد الثبيتي.. حاضراً.. حاضراً: (أناديكَ قمْ.. يا محمدْ/ فإنَّ العيون التي انتظرتك طويلاً بكت في ظلال القصيدةِ/ أناديك.. قمْ يا أمير القصيدةِ/ يا أبيض القلبِ والأفـْق أسودْ/ قم يا صديقي).
سألت هوازن: قرأتِ القصيدة؟، أجابت: أي قصيدة تكتب لوالدي أقرؤها مرة واحدة وأتركها بعد ذلك لأن حزني يشتد علي فلا أحتمل المزيد. تحدثت هوازن عن بعض طباع والدها مقارنة بالشعراء الآخرين وأمزجتهم المتقلبة فقالت "أبي ليس كذلك والدي هادئ".
سألتها: متى آخر مرة استمعت فيها إلى صوت أبيك وهو يلقي الشعر قالت: اليوم، قلت أي قصيدة قالت (التغريبة)، لماذا التغريبة؟: لأنني أحبها ولي مع والدي ذكريات حولها. مي أصغر أبناء الثبيتي عمرها 13 عاما، كانت نائمة عندما تحدثت إلى أختها شروق (15عاما) سألتها ما تفضلين أكثر أن تقرئي من قصائد أبيك أو تستمعي إليها؟ فأجابت: أقرؤها كلها. وأحب من قصائده (أصادق الشوارع).
بين فينة وأخرى تتذكر شروق أباها وتحن إليه في كل الأوقات، قالت: المدرسة قريبة وعندما أعود ألقاه ونتغذى جميعا، ينتظرنا لنجيء، دائما أرسم لأبي وأرسم بعض قصائده، أبي سماني (شروق) وهو يشاركنا حتى في اللعب، أتمنى أن يشفى أبي عاجلاً. وأقول له أحبك!.
الربيق يحيل قصائد الثبيتي إلى لوحاتالفنان التشكيلي فهد الربيق رسم قصيدة الثبيتي (التضاريس) في أكثر من مشهد ولوحة ورسم قصائد أخرى للثبيتي. وفي أولى زياراته للثبيتي حيث يتعافى بمدينة الأمير سلطان الطبية، علق لوحة التضاريس مقابل سرير الشاعر بحيث يمكنه النظر إليها باستمرار.
فهد الربيق الذي اختار أن يرسم شعر الثبيتي قال لـ"الوطن": وجدت الثبيتي المعين الذي لا ينضب في رسم الصورة الشعرية ومنه تعلمت كيف أرسم القصيدة وأنظمها لوناً لنفترش فضاء اللوحة، وحال الثبيتي الآن تبين حال الأديب والفنان في مثل هذه الظروف، وفي زياراتي شبه المتواصلة للثبيتي أفرح بزيارة المثقفين التي تبين مدى الترابط بينهم. قالوا عنه إن له نظرة حادة وإنه عابس الوجه ولم ينتبهوا إلى ابتسامته التي تحيط القلب، المفردة التي تتكرر في نصوصه، هذه الكلمة تتسع لها بوابة القلب وتعلن إشراق الثبيتي بالشعر، هناك دمعة تسكن طرف عينه لا ندري ما سرها، يراها من يرى روح الثبيتـي ويعلم أنها دمعة الحس الفياض الذي يكمن في وعي ذلك الشاعر البدوي. لا يعلمـون وهم يتحدثون عن ذلك النـزق الذين يسكن وجه شاعر أن الله يحمي تلك الرهافة الحسية بنظرته الحادة.

جريدة الوطن 19/1/2010م