بحث في الموقع

أحدث المقالات

عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد... عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي* ساهم تسارع تطور التجربة الشعرية عند محمد الثبيتي في رفع وتيرة الإرباك الذي مس من كانوا يناصرون تلك...
«البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد «البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد أحمد الحربي في الأسبوع الماضي دعوت عددا من المثقفين والإعلاميين في بيتي على شرف الإعلامي المتميز ...
الأمير يقرأ الثبيتي في "أسارير البلاد" الأمير يقرأ الثبيتي في جازان: الوطن   صدر للشاعر علي الأمير "الثبيتي يتلو أسارير البلاد" وهو دراسة حملت عنوانا فرعيا "الإيقاع...
محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء شوقي بزيعلم يطل العمر بمحمد الثبيتي لكي يذهب بإنجازه الشعري المتميز إلى تخومه الأخيرة، أو يستنفد بشكل...
نزار الثبيتي: قزان أخبرني بإعدام «التضاريس»... ورفض تسليمي... جدة - سعد الخشرميأوضح نزار نجل الشاعر الراحل محمد الثبيتي أن نادي جدة الأدبي رفض تسليمه كامل نسخ ديوان...

أحمد محسن العمودي

 في البواكير.. وبعيد تجاوزي لمرحلة المكتبة الخاصة بابن عمي (أو رَحِيمِيْ.. أي زوج أختي) حيث بدأت الولوج إلى عالم القراءة والكتب.. وحيث تخبَّطَتْ فيها مراهقتي أيما تخبُّط، حتى استقرَّتْ بكيفية لا يعلمها إلا الله! ولأدعِ الطابق (مستورا).


فكنتُ قد أصبحتُ أبحث بنفسي في حوانيت الكتب، وأُرَبِّي -بكل شغف- مكتبتي الخاصة بعناية وانتقائية، وفي نفس الوقت، صرتُ أتابع بعض المجلات الثقافية الدورية، مثل: (الفيصل) و(العربي) واللَّتين تعرّفتُ عليهما في مكتبة إبن عمي، حيث وجدتُ بعض النسخ القديمة منهما عنده، منذ أن كان المفكر والفيلسوف الكبير (زكي نجيب محمود) يكتب في (العربي).
وفي نفس الوقت غدوتُ أتابع (المجلة العربية) و(أخبار الأدب.. المصرية)، وهما من اكتشافي في ذلك الوقت..
قال يعني اكتشفت الذرة ياخي.
المهم...
في (المجلة العربية)، وهي مجلة خفيفة ثقافيا -إلى حد ما- في مواضيعها وحجم كتابها، وليست بثقل مجلتي العربي أو الفيصل، كان أحد كتابها، وبشكل شبه دوري وشهري، يجري حوارا -مُفْتَرضا- جميلا ورشيقا مع أحد الشعراء المعاصرين، معضمهم من السعودية.
وهو -أي الحوار- قائم على توجيه بعض الأسئلة القصيرة للشاعر، ويقوم نفس المحاور باستخلاص الإجابات من مجمل شعر الشاعر الضيف. أي أن المحاور يقوم بالإبحار في ثنايا شعر الشاعر عبر محاورته.
 وكان أسلوبه بمنتهى الجمال والخفّة في انتقاء الشاعر الضيف، وتوجيه الأسئلة وانتقاء الروائع من شعره كإجابات، فكانت هذه الزاوية عتبة أولية بالنسبة لي، منها تعرفت على أكثر من شاعر تعلقت بتلابيب أشعارهم -لاحقا- حدّ الصرع.. تماما كتعلُّق الأزواج البائسين من زوجاتهم، بالمسلسلات التركية في هذه الأيام.. وما أدراك ما المسلسلات التركية.. وحسناواتها!! "حاجة بتعقِّد".
ماعلينا..
وكان أعظم.. وأروع شاعر تعرفت به من هذه الزاوية، هو الشاعر الحجازي الراحل -منذ سنتين- سيّد البيْد: (محمد الثبيتي)، الذي لم أقرأ شاعرا -في ذلك الوقت- كما قرأته، ولم أُفتن بأحد سليلي وادي عبقر، كما فُتنتُ به.
بعد أن قرأت الحوار -الـمُفْتَرض- مع الشاعر محمد الثبيتي في (المجلة العربية) وتحديدا الأبيات والمقاطع القصيرة من شعره، والواردة في الحوار كإجابات، دار رأسي حينها، وأحسست أني وجدت جزءً مني في شعره الذي ينطلق من مضاربه في الصحراء والرمال والخيام.. ليغزو ويملأ شرايين الحداثة بشعرٍ لم يُروى من قبل ولم يُكتب، فكان هذا الشعر بالنسبة لي، وأنا طالب الثانوية وقتها، لا يُباريه أي شعر كنتُ قد قرأته في تلك المرحلة العمرية!
وما هي إلا أيام قليلة، وكنت أتجول بين صفوف ورفوف مكتبة (المأمون) إحدى كبرى المكتبات في مدينة (جِدّة).. والتي كان لي فيها -أي مكتبة المأمون- صولات وجولات مع الكتب (يا واد يا جااامد)..
والتي أيضا -ويااا لصاااعقة- ذُهلت في زيارتي الأخيرة، منذ أشهر، لمدينة جدة.. إذ وجدت مكتبة المأمون التي كان (يرْمَحُ فيها الخيل) من حجمها الكبير.. وقد كشَّتْ ونحُلَتْ وهَزُلتْ تضاريسها المترجرجة -وكأنّ الممثلة (نعيمة الصغير) رحمها الله.. وهي تربية "العِز وأكل الوِز والسَّمْنَة البَلَدي".. قد تحوَّلتْ إلى (ناعومي كامبل)!!
فأصبحت المكتبة عبارة عن ممر وحيد وضيق جدا، معضم محتوياته من الكتب اللازمة لطلاب المدارس وبعض أمهات الكتب التقليدية جدا والدينية بالإضافة للقرطاسية! وحين توجهت بتعجبي هذا للموظف الوحيد الموجود بالمكتبة، أو (كُشك) الكتب إن أردنا الدقة، رد ممازحا: أن الموضة هذه الأيام هي (الرِجِيْم)..
فانصرفت ولديّ إحساس أن جزءً من ذكرياتي مع الكتب قد دُهس في حادث سير، إذ أن معضم كتبي في تلك الفترة، كنتُ قد اشتريتها من هذه المكتبة تحديدا!
أعود إلى (الثبيتي) وأقول.. بأني توجهت إلى مكتبة المأمون أبحث عن أي من دواوينه، فلم أجد إلا ديوانه الثاني فقط من جملة ما أصدره من دواوين، وهو بعنوان "تهجَّيتُ وهما.. تهجيتُ حلما".
فحملته، وعدت طائرا به إلى البيت..
لأنكب على قراءته..
ثم.. أعيد قراءته..
وأواصل معاودة القراءة لأيام، بل وأسابيع.. وأنا مأخوذ تماما بهذا الشعر الذي أخذني على حين غِرّة في تلك المرحلة التي كنتُ أحسبني فيها مُتنبِّي العصر!
لأجد هذا الشاعر وشعره وديوانه.. يمسكوني من تلابيب (بـِجَامَتي) الصبيانيَّة.. ويُغنّون على رأسي.. أغنية أبوبكر سالم الشهيرة:
"عادَكْ إلّا صغير / بدري عليك الهوى / ذا جرح ماله دوا / يهدّ قلب الكبير / ويش عاد قلبك".
وتكررت العودة له -أي الديوان- لسنين بعدها حتى حفظت كثيرا منه -دون قصد، إنما بفعل التكرار الذي يعلم الشطااااار مثلي طبعا..
ليكون ديوان "تهجيت وهما.. تهجيت حلما".. أكثر ديوان شعري قرأته في حياتي حتى الآن.
هكذا كان حالي مع هذا الديوان،.. على الرغم من أنه ليس الديوان الأفضل على الإطلاق للشاعر محمد الثبيتي.. رحمه الله، كما تبيّن لي لاحقا حين قرأت مجموع دواوينه، حيث كانت دواوينه اللاحقة أروع بكثير من هذا الديوان.
بل إن ديوانه الثالث، في تسلسل إصداراته الشعرية الخمسة، والموسوم بـ(التضاريس)  كان أفضل ما قدّم وكتب الثبيتي في الشعر على الإطلاق، بل إنه -أي التضاريس- كان الديوان الصاعقة، الذي أحدث زلزلة في الوسط الشعري الحجازي وفي عموم الوسط الثقافي بالجزيرة العربية في الثمانينات، والذي  اعتبره البعض من الخصوصية والتّفرُّد، لدرجة أنه سيصعب على الشاعر نفسه تجاوز هذه التجرية وتخطيها بسهولة!
وبالطبع كان كل ذلك.. حين كنتُ أنا لا أزال ألعب بـــ(الكرة الشراب مع أبناء الحارة).
وفي استفتاء -بين مختلف الأدباء هناك- أجرته صحيفة (الرياض) مؤخرا، حول أهم الكتب الصادمة في المشهد الثقافي عندهم، احتل ديوان (التضاريس) لمحمد الثبيتي الصدارة -دون أي منافسة- في الترشيحات لديوان الشعر الصادم.
ومن حبي وإعجابي وافتناني بالثبيتي.. قرأت وتتبعتُ -لاحقا، وإلى الآن -كل صغيرة وكبيرة عنه، حتى انشرح صدري مؤخرا، بتدشين الموقع الخاص به على الشبكة العنكبوتية، والذي حوى جميع دواوينه الخمسة "فقط" التي أصدرها، وسيرة حياته وما كُتب عنه.
وسبب هذا الإقلال من الشاعر، ربما يعود لكون الثبيتي -رحمه الله- كان قد تعرّض لحرب شعواء، ومحاولات للتحقيق والاستجواب من أصحاب الشرطة الدينية هناك، بلغ المنتهى قذفا ورميا، من أصحاب العقول الضيقة والمتشددة والمعادية لكل ماله علاقة بالحداثة، وذلك بسبب ديوانه الثالث "التضاريس" الذي سُحِب -من قِبَلهم- من المكتبات بعد صدوره، ولقيَ الثبيتي بسببه شتَّى أنواع المعاداة والتعسُّف من تلك القوى الظلامية. وبعد هذا الديوان -وهو الثالث في مسيرته الشعرية- غاب الثبيتي، أو -غُيِّبَ عمدا- عن المشهد الثقافي تماما، إلا من بعض القصائد العابرة والفعاليات القليلة هنا وهناك، وهو في قمة عطائه الشعري والعُمري -كان وقتها في الثلاثين من العمر. ودام هذا الغياب لقرابة الخمسة عشر عاما لم يصدر له فيها أيّ عمل شعري، عاد بعدها في الألفية الثالثة بآخر ديوانين له، حتى أُصيب في عام 2009 بجلطة مفاجئة في الدماغ، أفقدته -لاحقا- القدرة على الحركة والنطق، ومن ثم لقيَ ما لقي من لا مبالاة وإهمال طبي من مختلف الجهات.. يُذكِّر بما صالاه قبلا -دون أي اعتبار لكونة "تقريبا" أعظم شاعر أنجبته السعودية طوال تاريخها- لتكتمل بذلك حلقة المعاناة والحرب التي تعرض لها -ليس هنا مجال الخوض في تفاصيلها- حتى تُوفّي.. ليلقى وجه ربّ كريم.. رحمه الله.

أما ديوان التضاريس هذا ، فلم يُقدَّر لي أن أقرأه إلا بعد ولوجي عالم الإنترنت، أي بعد ما يزيد على العشرين عاما من صدوره، وقد صدر مؤخرا ضمن المجموعه الكاملة للشاعر في ذكرى رحيله، وتم تنزيله أيضا في موقعه الشخصي.
وهو ديوان قلّ نظيرة في الشعر العربي الحديث، أما قصيدة "تغريبة القوافل والمطر" من نفس الديوان.. فهي دُرّة الديوان وعروسه.. حسب رأيي.. بالإضافة للقصيدة المتشعبة "التضاريس".
ولو لم تحدث تلك الأزمة وتبِعاتها لشاعرنا بسبب ديوانه هذا.. من يدري، فربما كان لشاعريته، وربما للشعر -عموما- على يديه أن يأخذ منعطفا آخر في تلك المنطقة.
فشعرية ديوان التضاريس، وروعته.. كانت تُبشِّر بشاعر رائع.. وذي شأنٍ، ربما يضاهي وينافس (محمود درويش) عربيا، لو أتيحت له الفرصة والظروف المناسبة، كما صرَّح بذلك الناقد الأكاديمي د. سعيد السريحي.

أعتذر عن الإطالة السردية عن الثبيتي، والخروج عن لُب الطرح الذي أقصده، لكن الأمر لا يسلم من قول أبي تمام:
"نقّل فؤادكَ حيث شئتَ من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأوّلِ"
وحبي الأكبر في الشعر هو للمتنبي، ولم ينازعه هذا المقام في نفسي سوى محمد الثبيتي.. شاعرا وإنسانا.. رحمهما الله.. ويَّا أبي تمام.
أعود فأقول...
حين عدتُ بديوان "تهجيت وهما.. تهجيت حلما"، وعكفت على قراءته بلذة منقطعة النظير، واستمتاع بالكثير من قصائده الطاغية بلغتها الشعرية أكثر من أي شئ آخر، اِستوقفتني -وأنا البِكْرُ شعريا وقتها- قصيدة بعينها..
جعلتني أضرب أخماسا في أسداس..
وأشدّ في شعر رأسي (المِسَبْسِبْ الناعم الأشقر حينها، قبل أن تلفحه عوامل التعرية والشمس)..
وجعلت أخدش وأخمش في منابت شاربي وذقني المنعدمة الوجود أصلا، وأقول في نفسي إعجابا -لا يخلو من غيظ وسذاجة "مشروع شاعر في علم الغيب":
- كيف كتبَ هذا الشعر؟ وكيف جاء بهذه المعاني والصور؟ وأي وادي عبقر، وجنِّي أو إنسي هذا الذي جعله يجئ بهكذا قصيدة؟!!
فمن أكثر صفات الثبيتي الشعرية هي خياله الواسع والعميق.. ولغته الشعرية الصافية تماما.. والتي تستلهم وتتكئ على الموروث بأصالة، وتقدِّمه -زلالا- في حلّة حداثية من حيث لا يُنتظر أو يُتوقع، ويتجلى ذلك بشكل جلي في ديوان "التضاريس" وما بعده.
- ولا أخفي أني أيضا تساءلت في سرِّي: هل يمكن أن (ألْطُش).. أي أنتحل هذه القصيدة وأنسبها لنفسي دون أن يُقْبَض عليّ، ويتم تعليقي أو مدّي بـــ(الفَلَقَة)؟!!
فكل ما أعرفه من أصناف العقاب -في ذلك الوقت- هو الفلقة!
كان اسم القصيدة: "صفحة من أوراق بدوي".
فما كانت إلا دقائق.. وكنت قد التهمت القصيدة قراءة..
ودقائق أكثر قليلا، وكنت قد حفظتها..
ولشهور وسنين لاحقة.. ولعشرات أو مئآت المرات ظللتُ أترنم بأبياتها الخطابية.. وأرددها سرا وجهرا لنفسي.
أذكرُ أني كنتُ أحيانا أكون في (فاصل) للراحة من عناء السهر ومذاكرة الدروس في تلك الفترة، فأذهب إلى (بلكونة) البيت أستنشق الهواء.. فأترنم بالقصيدة منتشيا (على آخِري)، وعيني بالطبع على (بلكونات) الجيران باحثا عمن تكون ساهرة ربما، لأوجه لها (خِطاب) القصيدة.. بكلّ اعتداد وتمنُّع:

" ماذا تريدين؟ لن أهديكِ راياتِي
ولن أمدّ على كفَّيكِ واحاتِي ".

 وأحيانا، حين كنّا -أنا وابن الجيران وهو أحد أعز أصدقائي- نصعد إلى السطح لمذاكرة دروسنا عندما تقترب الإمتحانات، فأقوم لتحريك ساقيّ بعد إدامة الجلوس -عاكفا- على الكتب المدرسية، وأتجول في صحن السطح الوااااسع، وأظل أدور و(أتمشّى) فيه وأنا أتمثل بعض أبيات القصيدة، بصوت خفيض -كي لا يظن صديقي بي الظنون- وأردد.. بأَنَفَةِ البدوي الذي يسكنني جينيا:

" أنا حصان قديم فوق غرّته
توزِّع الشمس أنوار الصباحاتِ
أنا حصان عصيّ لا يطوِّعهُ
بوح العناقيد أو عطر الهنيهاتِ ".

 وكثير من أمثال تلك المواقف والحالات مرّت بي تحت وطئة تلك القصيدة، بل وحتى حين بدأت أمتلك بعض مقومات الكتابة الشعرية الجيدة بالنسبة لذلك الوقت من عمري، وحين كان يَطلب مني -صديق أو قريب أو حبيب أو أيّ كان- أن أُسْمعه بعضا مما كتبت، فلا أستطيع..، بسبب سوء حافظتي لما أكتب تحديدا!! غير أني سريعا ما أعرض عليه قول قصيدة من القصائد النادرة والقليلة التي أحفظها، وبمجرد أن يهز -الطرف الآخر- رأسه، وقبل أن أتبين نوع هزة الرأس هذه، أهي موافقة أم رفض، أكون قد أمطرتُ.. وانهلت على.. أذنية وأمّ رأسه، بقصيدة (الثبيتي) هذه..
خافضا نبرة صوتي في موطن منها، ومجلجلا بها ومشعلها في مواطن أخرى..
مسرعا في الإلقاء في بعض الجمل، ومتّكِئا على بعضها، بما يناسب أجواء القصيدة.
بل إني تعلمت إلقاء الشعر من خلال تكرار إلقائي لهذه القصيدة، بيني وبين نفسي، أو على مسامع غيري من ضحايا المستمعين.
حتى أصبح بيني.. وبين أن أظن وأعتقد أن هذه القصيدة هي من شعري وإبداعي.. مجرّد شَعرة، لكن الله سلّم.
كما عمدت إلى شراء عدة نسخ من نفس الديوان، وأهديتها إلى أكثر من شخص -في فترة لاحقة- ممن كنت أعرف، وكانوا على صلة بالشعر ولو ذوقيا فقط.
ولا زلتُ أذكر، أن هامش قصائد ديوان "تهجيت وهما.. تهجيت حلما" عموما، وهامش قصيدة "صفحة من أوراق بدوي" خصوصا.. يكاد أن لا يكون به فراغ..
بسبب أني ملأته بالتعليقات والشروحات والخواطر، وربما التماهي شعرا، مع مختلف الأبيات والمقاطع التي في الديوان.
وظلّت تلك النسخة من الديوان بحوزتي وفي متناول يدي، لا تفارقني.. وأعود لها بإستمرار..  قراءة وتعليقا على الهامش بالقلم الرصاص.. وكأنها قطعة مني، وجواز سفر لي حتى بعد أن تجاوزتها ذائقتي، لكن للأسف.. فقدت تلك النسخة -المليئة بالكثير من مشاغبات ورؤى ذلك الوقت البرئ- حين جئت إلى مصر!

( صفحة من أوراق بدوي )
يقول محمد الثبيتي:

" ماذا تريدين؟ لن أهديكِ راياتِي
ولن أمدّ على كفَّيكِ واحاتِي
أغرّكِ الحلم -في عيني مشتعلٌ
لن تعبريهِ ... فهذا بعض آياتِي

إن كنت أبحرتُ في عينكِ منتجعاً
وجه الربيع، فما ألقيتُ مرساتِي
هذا بعيري على الأبواب منتصبٌ
لم تعش عينيه أضواء المطاراتِ
وتلك في هاجس الصحراء أغنيتي
تهدهد العشق في مرعى شويهاتِي
***
أنا حصانٌ قديم فوق غرّتهِ
توزع الشمس أنوار الصباحاتِ
أنا حصان عصيّ لا يطوِّعهُ
بوح العناقيد أو عطر الهُنيْهاتِ
أتيتُ أركض والصحراء تتبعني
وأحرف الرمل تجري بين خطواتِي
أتيت أنتَّعلُ الآفاق، أمنحها
جرحي، وأبحث فيها عن بداياتِي
يا أنتِ.. لو تسكبين البدر في كبدي
أو تشعلين دماء البحر في ذاتِي
فلن تزيلي بقايا الرمل عن كتفي
ولا عبير الخزامى من عباءاتِي
هذي الشقوق التي تختال في قدمي
قصائدٌ صاغها نبض المسافاتِ
وهذهِ البسمة العطشى على شفتي
نَهرٌ من الريح عذريُّ الحكاياتِ
***
ماذا ترينَ بكفّي.. هل قرأتِ بهِ
تاريخَ عُمرٍ مليء بالجراحاتِ
ماذا ترين بكفّي؟ هل قرأتِ بهِ
عرسَ الليالي وأفراحَ السماواتِ
وهل قرأتِ بهِ ناراً مؤجّجة
ومارداً يحتويه الموسمُ الآتِي ".
-------------------
المصدر: موقع النور