بحث في الموقع

أحدث المقالات

عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد... عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي* ساهم تسارع تطور التجربة الشعرية عند محمد الثبيتي في رفع وتيرة الإرباك الذي مس من كانوا يناصرون تلك...
«البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد «البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد أحمد الحربي في الأسبوع الماضي دعوت عددا من المثقفين والإعلاميين في بيتي على شرف الإعلامي المتميز ...
الأمير يقرأ الثبيتي في "أسارير البلاد" الأمير يقرأ الثبيتي في جازان: الوطن   صدر للشاعر علي الأمير "الثبيتي يتلو أسارير البلاد" وهو دراسة حملت عنوانا فرعيا "الإيقاع...
محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء شوقي بزيعلم يطل العمر بمحمد الثبيتي لكي يذهب بإنجازه الشعري المتميز إلى تخومه الأخيرة، أو يستنفد بشكل...
نزار الثبيتي: قزان أخبرني بإعدام «التضاريس»... ورفض تسليمي... جدة - سعد الخشرميأوضح نزار نجل الشاعر الراحل محمد الثبيتي أن نادي جدة الأدبي رفض تسليمه كامل نسخ ديوان...

مونتاج نقدي: عبدالرحمن بن حسن المحسني

الخطاب سياق لفعل ثقافي عام له أبعاده والتزاماته، وهو يأتي في المعجم بمعنى الرسالة (1)، وتلك الرؤية تتسق معها الرؤية الحديثة التي ترى أن الخطاب: «ممارسة لها أشكالها الخاصة من الانتظام» عند عبدالسلام بن عبدالعالي (2) وهو كما يقول سمير شريف يتجاوز المفهوم الضيق ليدل على ما يصدر من كلام، أو إشارة، أو إبداع فني (3).

وما قيل من آراء في الخطاب ينطبق على نصوص الـsms التي تعد ممارسة لها أشكالها الخاصة ونظامها التقني الذي يتجاوز التجنيس، ويتميز بسمات في التشكيل تجعل منه خطابًا ثقافيًَا مؤثرًا ومختلفًا. وقد لا يتصل الأمر بهذا العمل تحديدًا الذي تأتي نصوصه في أغلبها من جنس الشعر، لكن المثقف المعاصر يتواصل بعدة منافذ فكرية تصاغ في عدة قوالب إبداعية. ولعلنا هنا أن نقف مع نموذج لنصين تفاعليين كتبا على تقنية الـsms، تحركت عبر جوالات عدد من المثقفين في فترتين متباعدتين من الحدث الذي ألم بشاعر السعودية الكبير محمد الثبيتي؛ وهما تجربتان: إحداهما كتبت بعد حادث مرضه الأول، وفي ليلته القلقة، كما يتضح من تفاصيل الرسائل في النصوص، والنص المتفاعل الثاني كتب في ليلة وفاته-يرحمه الله-؛ ليلتان قلقتان صورهما هذان النصان المشتركان لعدد من شعراء المملكة العربية السعودية -ولأغلبهم حضورهم ودواوينهم الشعرية المطبوعة:
النص الأمل: (كتب هذا النص في ليلة الثبيتي القلقة التي سقط فيها مريضا إلى حين...)
النص المثير:
الثبيتي؛
أسطورة الوهج المتألق تخبو.. فيا
رب ثبت خطاه على النور حتى تعود
القصيدة تستاف وحي المدى...
تفاصيل الرسالة/عبدالرحمن المحسني، أسطورة الوهج المتأ، 14/3/2009، 10. 20م، SMS
النص المتفاعل 1:
ستموت النسور التي وشمت دمه
الطفل يومًا..
وسيبقى سيد البيد في حلوق
المصابيح أغنية لن تموت..
وسيبقى في عروق الثرى نخلة لن
تموت..!
تفاصيل الرسالة /هيفاء الفريح، ستموت النسور التي وشمت دمه الط، 14/3/2009، 10. 57 م، SMS
***
النص المتفاعل 2
(الرقية المكية1)
صبحتها..
والخير في أسمائها
مسيتها..
والنور ملء سمائها
حييتها..
بجلالها
وكمالها
وبميمها
وبكافها
وبهائها..
وغمرت نفسي
في أقاصي ليلها
فخرجت مبتلًا بفيض بهائها
وطرقت ساحات النوى
حتى ظمئت إلى ثمالات الهوى
فسقيت روحي
سلسبيلا من منابع مائها
ونقشت اسمي في سواد ثيابها
وغسلت وجهي في بياض حبائها
وكتبت شعري قرب مسجد جنها
وتلوت وردي عند غار حرائها..
(محمد الثبيتي)
صلواتنا الدائمة لابن مكة.
أمل قثامي (الرقية المكية1) صبحتها.. و، 14/3/2009، 11. 52م، SMS.
النص المتفاعل 3
ويا رب كن في ساعة الـ.... حسيبًا
رؤوفًا فإن القصيدة تمتاح من روحه
ما يشق علي..! وترتاح في قلبه قهوة
مرة.. وبيضاء كالقار.. ويا صاحبي
ما الذي غيرك!
تفاصيل الرسالة/يوسف العارف، 15/3/2009، ويا رب كن في ساعة الـ... حسيبا رؤ. 15/3/2009، 1. 9 ص SMS.
النص المتفاعل 4:
الثبيتي؛
إن تشهى الرقص قلبه ثانية
سيعيد لنا الفرحة
باندلاق الضوء
من نافذة الألم
حين يلامس أرواحنا المحمومة
بوجه القصيدة «م. ح. م. د»
وإن اختارته السماء
غبنا للغناء
فما حيلتنا إلا الإيمان بعدالة الإله
واحتساء
ملح الدمعة حتى ينفلق صبح آخر
....
تفاصيل الرسالة/علي الثوابي، الثبيتي؛ إن تشهى الرقص قلبه ث، 15/3/2009 م، 10. 3 ص، SMS
***
النص المتفاعل 5
كأني أراه
يعود قليلًا إلى العافية
تكبله وخزات الجراح
يقاطع كل القصائد والأمسيات
ويلعن وجه الأدب
فما -ثم- يجني الأديب؟
سوى
جحود وقافلة من تعب.
تفاصيل الرسالة /طاهر جاري، كأني أراه يعود قليلا إلى العاف.. 15/3/2009، 1. 20م، SMS
تمثل النصوص السابقة خطابًا مفعمًا بالأمل، وقد اعتمد المشتركون في نسج النص على تقنية الرسائل النصية sms التي تعد آلية جديدة حملت النص في لحظة ميلاده الأولى قبل أن تمسه يد الصنعة، ولعلنا نلاحظ هنا أننا اكتفينا بعرض النص بطرفيه الناقل الذي اعتمد على نصوص الثبيتي كمرتكز للتواصل، والإبداعي الذي فتق الحدث نصًا، بيد أننا نشير هنا إلى وجود نصوص توصيلية هدفها تصوير الواقع.
كما أننا نؤكد أيضا على قيمية الاختيار إذ لم يأت اعتباطيا ولكنه خضع لرؤية دفعت إلى حضور نص بعينه؛ ففي نص هيفاء الفريح، ونص أمل قثامي نلمس براعة الأديبتين في اقتناص نص يتسق مع الموقف، فهيفاء الفريح تستشهد بسيد البيد، لترى في الثبيتي نسرًا وأملًا سيبقى محلقًا، وأمل قثامي رأت أن ترقيه في تلك الليلة ذات المشاعر المتناقضة، رأت أن ترقيه بالرقية المكية التي كتبها ابن مكة المبدع محمد الثبيتي:
صبحتها.. /والخير في أسمائها/مسيتها.. /والنور مل ء سمائها /حييتها.. /بجلالها /وكمالها/وبميمها/وبكافها/وبهائها.. /وغمرت نفسي /في أقاصي ليلها /فخرجت مبتلًا بفيض بهائها/
وبجانب هذا النص (الناقل) نرى أن الشعراء قد طرحوا رؤى إبداعية حية تقبس من الموقف وتتوهج بالأمل عند الشاعر يوسف العارف وعلي الثوابي وطاهر جاري، هذا الخطاب الذي يدفع إلى تنمية الحراك الإبداعي في التعامل مع اللحظة؛ فموقف الثبيتي في ليلة سقوطه جعل القصيدة تمتاح من روح الشاعر العارف ما يشق عليه، والنص أيضًا يزخر بمفردات لغوية تصور تلك الحالة السوداوية (قهوة مرة.. وبيضاء كالقار). أما الشاعر الثوابي فيغلب جانب التفاؤل بعودته بمفردات لها بعدها الدلالي، وعمقها اللغوي (تشهى الرقص، سيعيد لنا الفرحة، اندلاق الضوء، حين يلامس أرواحنا المحمومة، وجه القصيدة «م. ح. م. د») وهو يقدم لنا فيض التفاؤل الذي شاء الله ألا يكون.
ويتجه الشاعر طاهر جاري بنصه وجهة دلالية أخرى حين ينطلق من عمق مأساة الأديب الاجتماعية، وهو وإن كان يتأمل كغيره في عودته وسلامته، لكنه يعتقد بظلال المواقف السوداء التي يعيشها الأديب في مجتمعه بأن الثبيتي سيعود لاعنا الأدب والشعر الذي لم يجن منه خيرًا بزعمه. ولعل السمة الأسلوبية التي تحرك كلية النص برأي (دي بوقون) لتجعل منها سمة نافذة في النص هي الأمل الذي يمكن أن نتلمسه في تراكيب مثل: (فيارب ثبت خطاه على النور، //صلواتنا الدائمة لا بن مكة//ويا رب كن في ساعةالـ.... حسيبا /رؤوفا فإن القصيدة تمتاح من روحه//، إن تشهى الرقص قلبه ثانية /سيعيد لنا الفرحة /باندلاق/الضوء /من نافذة الألم//كأني أراه /يعود قليلًا إلى العافية تكبله وخزات الجراح//)
2. النص /الرحيل
النص المثير:
الثبيتي رحل: -(
(الثبيتي رحل: -(، 14/1/2011، 11: 37م، sms
النص المتفاعل 1
أول بيت قاله سيد البيد:
إذا جاد الزمان لنا بيوم
وصالا جاد بالهجران عاما
***
ستموت النسور التي وشمت دمك الطفل يومًا
وأنت الذي في حلوق المصابيح أغنية لا تموت.
رحمك الله يا محمد موتك موتك موتا للنخيل
وللصحراء وللشاذلية ولوطن كنت وكنا نبحث
عنه (صب لنا وطنا في الكؤوس يدير الرؤوس)!!
تفاصيل الرسالة/أمل قثامي، أول بيت قاله سيد البيد إذا جاد، 15/1/2011، 1، 1: 43 ص sms
النص المتفاعل2
(كل نفس تذوق المنية...)
فلات لنا الآن حين القصيدة...
كنا، وكنا،
ولكن موت الثبيتي أتى...
...
ويا رب... كنا نؤمل في الشعر أن يستفيق...
وكنا نؤمل أن يستدر البقاء
ذهبت كل آمالنا في الهباء
هدم الشعر ركنه الأعظم
وبتنا على أوبة الأشقياء
وجاء النعي...
تداعت بنا ربة الشعر أن نتدارك ما ساح من
حسرة الشعر حين عز العزاء
تفاصيل الرسالةعبدالرحمن المحسني، /(كل نفس تذوق المنية...) فلات، 15/1/2011، 4: 59ص، sms
النص المتفاعل3
(سيد البيد)
سيد البيد غادرها ظامئا
في المساء
وودعنا صامتًا
وهي تمطر
والأرض معشبة حوله
والسماء تحلق في بعدها
وهو يومئ مستشرفًا زمنًا
في السماء
*
فاروق بنجر (سيد البيد)، 15/1/2011، 5: 42 ص، sms
النص المتفاعل 4
آب...
وقد محصته الليالي..
تجرد من سخط
هذا الزمن
وكل الحياة على
نعشه المتيامن
تندب سخط القضاء
وتلطم خد الكفن
عبدالله المحسني، آب.. وقد محصته الليالي..، 15/1/2011، 3: 47 ص، sms
النص المتفاعل 5
رثاء القصيدة فوق
اقتدار القصيدة
لأن الثبيتي أضحى
النثيث الصموت
حسبي وحسبك أن الحروف
التي ولدت من شفاه
الجمال
يموت نموت
وليس تموت.
محمد مسملي، رثاء القصيدة فوق اقتدار القصي، 15/1/2011، 9: 10ص، sms
تمثل النصوص السابقة نصًا متفاعلًا ذا نفس حزين متحد، فهي تعبر عن حزن اللحظة بنصوص شعرية صادقة لا صنعة فيها، وهي مع ذلك تكشف لنا عن قدرة الطبع الحاضرة عند شعرائنا، وهي تتحرك في عدة مساقات؛ فمنها النص (التوصيلي) الذي ورد عند الشاعر أحمد التيهاني، وهو جزء مهم من حركة الخطاب الذي حرك الفعل الشعري عند عدد من الشعراء، ومنها النص المتفاعل (الناقل) الذي يعتمد في توهجه على نصوص المرثي نفسه، فيقتبس من نصوص الثبيتي ما يتسق مع اللحظة، وهو اختيار يعد وافد عقل نبيه إذا آمنا بمقولة ابن عبد ربه أن (اختيار المرء وافد عقله)، ويمثله اختيار الناقدة (أمل قثامي). أما المساق الأهم هنا فهو المساق (الإبداعي) والذي توشح بنص وإن تعدد كاتبوه لكن نفَسه ودلالاته تجعله نصًا مشتركًا متفاعلًا كتبه الشعراء باستخدام وسيط التقنية الناقل، وهو نص فتح أفقًا لشاعر مثل فاروق بنجر ليتم النص وينشره في صحيفة الوطن السعودية، كما دفع مهتمًا آخر إلى نشر نص (كل نفس تذوق المنية) في ملحق الجزيرة الثقافي، في حين تبقى نصوص الشعراء الآخرين منفتحة لعطاءات نصية قادمة.
وإذا أردنا مقاربة النصوص إبداعيًا فإننا نجد أن ملامح الحزن على المستوى الدلالي تكاد تكون سمة لا تغيب. ونستطيع من خلال البنية اللغوية أن نتلمس شيئًا من ذلك، حيث حضور مفردات وتراكيب توحي بالحزن كظاهرة أسلوبية عامة في هذا النص: ((الحروف التي ولدت من شفاه الجمال /يموت نموت /وليس تموت//وكل الحياة على /نعشه المتيامن/ تندب سخط القضاء/ وتلطم خد الكفن// سيد البيد غادرها ظامئًا في المساء// ذهبت كل آمالنا في الهباء/ وبتنا على أوبة الأشقياء/ حسرة الشعر حين عز العزاء)
تؤكد التجربة التفاعلية السابقة على قيمية الوسائط الناقلة المعاصرة في تكوين الفعل الشعري المعاصر، فهي تمثل فعلًا تكوينيًا حافزًا على الإبداع في لحظته، كما أنها تعد أوعية مهمة لحركة الإبداع المعاصر. على أننا نشير هنا إلى أن هناك عدة ملامح تشكيلية تلقي بظلالها على بناء النص على تقنية الـsms، قد تكون مدار حديث قادم.
***
-------------
(1) إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، الجزء الأول، ص 243.
(2) عبدالسلام بنعبدالعالي: بين بين، دار توبقال،، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1996، ص 78.
(3) انظر، سمير شريف استيتية: اللغة وسيكولوجية الخطاب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2002م، ص15..

(*) عضو هيئة التدريس –جامعة الملك خالد. عضو مجلس إدارة أدبي أبها

المصدر: المدينة