بحث في الموقع

أحدث المقالات

عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد... عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي* ساهم تسارع تطور التجربة الشعرية عند محمد الثبيتي في رفع وتيرة الإرباك الذي مس من كانوا يناصرون تلك...
«البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد «البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد أحمد الحربي في الأسبوع الماضي دعوت عددا من المثقفين والإعلاميين في بيتي على شرف الإعلامي المتميز ...
الأمير يقرأ الثبيتي في "أسارير البلاد" الأمير يقرأ الثبيتي في جازان: الوطن   صدر للشاعر علي الأمير "الثبيتي يتلو أسارير البلاد" وهو دراسة حملت عنوانا فرعيا "الإيقاع...
محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء شوقي بزيعلم يطل العمر بمحمد الثبيتي لكي يذهب بإنجازه الشعري المتميز إلى تخومه الأخيرة، أو يستنفد بشكل...
نزار الثبيتي: قزان أخبرني بإعدام «التضاريس»... ورفض تسليمي... جدة - سعد الخشرميأوضح نزار نجل الشاعر الراحل محمد الثبيتي أن نادي جدة الأدبي رفض تسليمه كامل نسخ ديوان...

عادل ضرغام

الظل - والإنسان- التوحد
إذا كان الثبيتي في قصيدتيه (الصعلوك) و(القرين) من ديوانه التضاريس، قد أشار في الأولى إلى بداية إحساسه بهذا القرين أوالظل، مما يولد حالة من المشاركة بين الظل والإنسان، تحفظ لكل قسيم وجوده وتوازنه، وأشار في الثانية إلى اندحار الصوت الإنساني، ودخوله مرحلة التبعية، فإنه في ديوانه موقف الرمال، ومن خلال قصيدته (القرين) يدخل بنا إلى مرحلة جديدة، نابعة من التبعية، لكي تصل إلى حد التوحد، بحيث نجد حالة من التماهي بين صوت الإنسان وصوت الظل.


وإن كان الثبيتي بقصيدته القرين قد حاول أن يقدم مدخلاً مغايراً لما قدمه سابقاً، فإن هذا التوجه نفسه يحتاج إلى تفسير، وسيكون التفسير مرتبطاً في الأساس إما بتغير في صورة الظل، وإما بتغير في صورة الإنسان، فالظل - في إطارهذا التوافق - قد يكون راضياً وخانعاً، وهذا يخلق شعرية عادية، وتأمل أعمال الثبيتي تشير إلى نفي هذا التفسير واستبعاده، فقرينه أوظله حالم دائماً بالتغيير، حتى لو كان الوضع من كل الوجوه مثالياً، ولا يتبقى لدينا سوى التفسير الآخرالمرتبط بالإنسان، الذي أسلم قياده إلى الظل، فقد أصبح يعيش حالة شعرية دائمة كاشفة للذات دون مواربة أوتحيز، ومن خلال هذا التوحد يكشف عن رؤيته لشعريته وعن مراحل تطورها.
ففي نص القرين نرى هذا التوحد واضحاً، حيث يتوزع النص إلى ثلاث مراحل شعرية, يقول في الجزء الأول:

لي ولك
نجمتان وبرجان في شرفات الفلك
ولنا مطر واحد
كلما بل ناصيتي بللك
سادران علي الرمس نبكي
ونندب شمسا تهاوت
وبدرا هلك
وكل أنا تغشته حمي الرمال
فلم يدر أي رياح تلقي
وأي طريق سلك


إن تأمل المقطع الأول يشير إلى الحضور الفاعل للصوتين معاً، صوت الشاعر المتكلم، وصوت القرين المخاطب, فالصوتان يتحركان بشكل متساو، في إطار توجه ينم عن التوحد. ويمكن تقسيم المقطع إلى توجهات ثلاث، تبدأ الأولى من بداية النص حتى كلمة بللك, وهذا التوجه يشير إلى المتخيل النموذجي المرتبط بالشعر، في لحظة الإيمان بالكتابة, وبقدرة هذه الكتابة على تغيير الواقع الفردي والجمعي، فالنجمتان والبرجان المرتبطان بالفلك، يشيران إلى شعرية أولى تحاول الاحتماء بالحلم والآمال، ولكن هذا التوجه المملوء بالآمال والأحلام، سرعان ما نشعر بتغيره، بل بموته, من خلال كلمة الرمس، التي تشير إلى موت التوجه السابق، ويتجاوب مع هذا التلقي، ندب الشمس التي تتهاوى، والبدر الذي هلك، اللذان يشيران إلى متخيل نموذجي مرتبط بشعرية أولى، اصطدمت بواقع جامد لا يلين.
وهذا التوجه لا يعني بالضرورة موت الشعرية، وإنما يعني أن هناك تغيراً في منعطفاتها, فإذا كانت في التوجه الأول إحساساً بالآمال وانتظاراً لتحقيق الأحلام، فنراها في التوجه الثاني مصطدمة بواقع لا يلين، وفي التوجه الأخير تأتي مرتبطة بالاندحار تحت حمى الرمال مما يفتح دلالة رمزه الأثيري (الرمال) إلى منحى خاص يرتبط بالتيبس وعدم القدرة على الفعل، فكلاهما يتحرك بالقصور الذاتي، فلم يحدد واحد منهما طريقاً، ولم يعرف أي واحد منهما أي رياح -لكثرتها - تركت ندوباً غائرة في تكوينه. إن هذه الحركات التي تشير إلى تغير في شعرية الشاعر من الإيمان بقدرته وقدرة الكتابة، إلى حالة الموت التي أفضت إلى تيبس، تشير - بالضرورة - إلى حالة خاصة، قد أثرت بالضرورة في النص بداية من المقطع الثاني:

فرقتنا النوى زمنا
ثم لمت شتات نوانا
على بقعة من حلك
قلت لي:
هيت لك
هيت لك
سرت خلف خطاك أجرر
خطوالمساكين
لم أسألك.


إن حركة الوحدة التي أشرنا إليها في إطار التوجهات المتتالية للشعرية في المقطع الأول، تتباين مع حركة الفرقة التي أطلت في بداية المقطع الثاني، والسؤال المطروح هنا، متى بدأ الشعور بهذه الفرقة بين الشاعر وقرينه، والإجابة لن تكون مستندة إلى النص الشعري نظراً لطبيعته التي لا تشير إلى هذه الأمور بشكل مباشر، وإنما يمكن التماسها من طبيعة الشاعر -أي شاعر - الذي يحاول الحفاظ على صورته الأولى المرتبطة بالتعلق بالآمال وانتظار التغيير إلى الأفضل، ومن ثم هو ينكر دائماً حالة التغير التي يشعر بها تدريجياً المرتبطة به، والناتجة عن موت آماله، وانعتاقه من الإيمان بسلطة نموذج متخيل, ومن ثم فإن الفرقة التي يشير إليها النص الشعري، لا تشير إلى الحالة الأخيرة في التوجهات الثلاث، وإنما ترتبط بالصورة الأولى, المرتبطة بالتعلق بالآمال والأحلام.
ولكن الشاعر سرعان ما يدرك أن إنكار الصورة التي انتهى إليها صورة طبيعية نابعة من تغير الواقع, المتمثل على حد تعبير النص الشعري في قوله (علي بقعة من حلك)، فيحدث التوحد مرة أخرى في المقطعين الثاني والثالث.
وهذا المنحى الخاص المرتبط بتأمل القرين أوالشاعر الظل، منحى له وجود ملموس في ديوان الثبيتي, فهو يقول في قصيدة يا امرأة:

بيننا عازل لايري
وعين مجافية للكري
وليل قناديله مطفأة
يا امرأة


فالإشارة إلى العازل الذي لا يرى, ليست إلا إشارة إلى ذلك الكائن غير الملموس ماديا، المرتبط بالشاعر, والشاعر في تلك الصورة يستند إلى رصيد إبداعي مهم، مثل قول سعدي يوسف (يرافقني في زيارة محبوبتي - يدخل قبلي - يقبلها في الجبين - وإذ أرسم الرغبة المبهمة وسائد أومنزلاً - يرسم الرغبة المفعمة)، ذلك المعنى الذي أحسن أحمد بخيت صياغته في قوله : ويجلس بين فاتنتي وبيني ويسرق من دمي دفء الثواني ولكن تظل صورة الثبيتي لها حضورها المختلف، فالمرأة في نصه، ليست المرأة في شعر سعدي يوسف أو أحمد بخيت، فهي تشير إلى القصيدة والنص الشعري.  

المصدر: صحيفة الجزيرة