بحث في الموقع

أحدث المقالات

عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد... عتبات التهجي قراءة أولى في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي* ساهم تسارع تطور التجربة الشعرية عند محمد الثبيتي في رفع وتيرة الإرباك الذي مس من كانوا يناصرون تلك...
«البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد «البرنس» وتلاوة الثبيتي أساريرَ البلاد أحمد الحربي في الأسبوع الماضي دعوت عددا من المثقفين والإعلاميين في بيتي على شرف الإعلامي المتميز ...
الأمير يقرأ الثبيتي في "أسارير البلاد" الأمير يقرأ الثبيتي في جازان: الوطن   صدر للشاعر علي الأمير "الثبيتي يتلو أسارير البلاد" وهو دراسة حملت عنوانا فرعيا "الإيقاع...
محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء محمد الثبيتي يحرس روح الصحراء شوقي بزيعلم يطل العمر بمحمد الثبيتي لكي يذهب بإنجازه الشعري المتميز إلى تخومه الأخيرة، أو يستنفد بشكل...
نزار الثبيتي: قزان أخبرني بإعدام «التضاريس»... ورفض تسليمي... جدة - سعد الخشرميأوضح نزار نجل الشاعر الراحل محمد الثبيتي أن نادي جدة الأدبي رفض تسليمه كامل نسخ ديوان...

عادل ضرغام  

حملت إلينا سلسلة (جهات) وهي كتاب ثقافي غير دوري، ديوانين لشاعر من أهم شعراء العربية في الوقت الحالي، وهوالشاعر محمد الثبيتي، والديوانان: ديوان التضاريس 1986، وديوان (موقف الرمال)2005، وسوف تتعدد المداخل التي يمكن أن تدخل منها إلى شعر الشاعر، من هذه المداخل ما يتصل بلغة الشاعر المملوءة بشيئين مهمين هما الغنائية المحدودة بقانون بنائي خاص، والبساطة التي تحمل في نسيجها مدى دلاليا مهماً، وهي بساطة شعرية قد تكون خادعة للبعض، فيتخيل أنها كتابة سهلة والوصول إليها ممكن، ولكنها عند الممارسة النقدية الواعية تصبح بساطة مقصودة ومهمة، وتستند إلى وعي خاص بالشعرية التي تطمح إلى التغيير بهدوء ومن دون جلبة مفتعلة في أغلب الأحيان.


ومن المداخل التي قد تكون فاعلة في دراسة شعر الشاعر، التوقف عند عدد من الرموز، التي تتشكل على مدار دواوينه المتتابعة، مثل تجليات رمز (الرمال)، ورمز (النخل) وهما رمزان لهما حضور فاعل، وتتغير دلالتهما بين النمو والتلاشي، ولكن الوقوف عندهما يجب أن يأتي مرتبطاً بمراجعة أعمال الشاعر كلها.
والمدخل المهم الذي اختاره الباحث يرتبط برصد منحى فكري في هذين الديوانين، وهذا المنحى الفكري يتعلق بتناول مساحات التوحد والتنافر، بين الإنسان والشاعر من خلال النص الشعري، والإنسان المشدود إلى تواصل اجتماعي خاص، والشاعر - وأرجو ألا يمثل هذا التحديد مصادرة - الذي يمثل الحرية ولا يقيم وزناً لهذا السياق الاجتماعي والتقاليد الخاصة، فيعرض الحقيقة الصادمة، ويأتي بأفعال قد لا يتقبلها العرف الاجتماعي.
وهذا التوجه الفكري، الذي يعنى برصد مساحات التوحد والتنافر بين الإنسان الملموس مادياً، والشاعر ذلك الكائن الذي لا يرى، له حضور خاص في تراثنا الشعري، ولكن هذا الحضور ظل دائراً في فلك خاص، يشير إلى أن لكل شاعر شيطاناً يلهمه الشعر.
والثبيتي يعتمد في هذا المنحى على مصدرين مهمين، هما رواية (القرين) لدوستوفسكى، وديوان (الأخضر بن يوسف ومشاغله) لسعدي يوسف ويمكن للباحثين الذين يهتمون بدراسة التناص، وطبيعة الطبقات المعرفية، أن يتوقفوا عند دراسة هذا التوجه في شعر الشاعر.
ويمكن أن نلمح هذا التوجه الفكري في قصائد عديدة، مثل (القرين) و(المغنى) و(الصعلوك) و(البابلى) وهذه القصائد جاءت في ديوان التضاريس 1986، ولكن في ديوان موقف من الرمال نجد قصيدة واحدة بعنوان (القرين)، ويتطرق إلى الإحساس بهذا الظل في قصيدة (يا امرأة)، وكل هذه القصائد، وغيرها، تشير إلى أصالة هذا المنحى عند الثبيتي، فهو لم يقف بإبداعه في ذلك المنحى الفكري عند حدود إسهامات آخرين سبقوه في هذا المجال، فهذا التوجه تشكل في إبداعه الشعري بشكلٍ جديد، وأخذ مناحي مختلفة تجعله يقف على بساط متساو، مع الآخرين وسيتجلى ذلك عندما نقف عند قصائد نختارها، لتشير إلى هذه الأصالة. الظل والإنسان المشارك:
في قصيدة الصعلوك، للشاعر الثبيتي تأتي فكرة المشاركة في النص الشعري فكرة مسيطرة، وربما تأتي فكرة المشاركة مرتبطة بوجود ذلك الآخر، وإلى الإحساس بوجوده، وبدبيبه وبنبرة المغايرة، وبسلطته في الحركة، وهذا التوجه المعنون بالظل والإنسان المشارك يشير إلى وجود خاص للإنسان، ووجود خاص للظل، يشي بهذين الوجودين أن النص الشعري، استند إلى تقنية مهمة ترتبط بضمير الغائب الذي يحفظ للإنسان وجوده المراقب، ويحفظ للظل وجوده المراقََب، يقول الشاعر:

يفيق من الخوف ظهرا
ويمضي إلى السوق
يحمل أوراقه وخطاه
من يقاسمنى الجوع والشعر والصعلكه
من يقاسمني نشوة التهلكه


وإذا كان السطران الأخيران، يعيدان المتلقي من دون وعي إلى قول سعدي يوسف عن ظله (نبي يقاسمني شقتي - يشاركني الغرفة المستطيله -وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب - وسر الليالي الطويلة)، فإن نص الثبيتي يدخل بنا إلى آفاق جديدة ترتبط بالإبداع، وبلحظة الإحساس بذلك الظل، مع بداية الوعي كل صباح، وبمجال إبداع ذلك الظل المرتبط بمراقبة الآخرين، من خلال السوق والأوراق التي يحملها، ودرجة وعيه وإدراكه.
والنص الشعري في إفصاحه عن ذلك المشارك الظل، يدخل بنا إلى جزئيات وثيقة الصلة بشعرية الثبيتي المرتبطة، بالجوع والشعر والصعلكة، وكلها جزئيات تشكل طبيعة شعرية الثبيتي، التي بدأت ببناء نفسها في الهامش معتمدة على المغايرة، تلك المغايرة التي شدتها لكى تكون في البؤرة أو في المتن، وكأن هذه الجزئيات المتفردة التي حملت إلينا شعرية الثبيتي تمثل هماً مشتركاً بينهما، ولهذا نجد النص الشعري بعد الإشارة إلى هذا التوحد المشترك يقيم حواراً بين الصوتين: أنت أسطورة أثخنتها المجاعات قل لي متى تثخن الخيل والليل المعركة وتستمر هذه المشاركة بين الصوتين، بحيث يشعر أن لكل قسيم حدوداً واضحة، على الرغم من الحضور الطاغي لهذا الظل من خلال ضمير الغياب، ولكن حضور الصوت الإنساني الآخر يظل موجوداً في نهاية القصيدة (يطوح أقدامه في الهواء- من يطارحني قمراً ونساء -ليس هذا المساء -ليس هذا المساء) الظل - الإنسان - التابع: أشرنا في الجزء الأول من القصيدة السابقة، إلى صورة من صور القرين أوالظل، وهي صورة - إذا ارتبطت بوجود الإنسان الآدمي - تطل واقفة عند حدود معينة، لكي تعلن عن وجودها فقط، ولكن هذا الوجود لا يلغي وجود الإنسان الذي يظل المتلقي يشعر بوجوده. ولكن وجود الصوتين على هذا النحو، يؤدي - بالضرورة - إلى الصراع بينهما، فكل واحد منهما (صوت الإنسان - وصوت الظل) يحاول أن تكون له الغلبة والسيادة، ويكون المحرك للواقع الفردي، وغالباً ما يكون صوت الظل هوالمسيطر، وبذلك يتوارى صوت الإنسان العادي، ويقل تواصله مع واقعه الفردي، في قصيدة القرين من ديوان التضاريس يقول الثبيتي:

مقيم علي شغف الزوبعه
له جناحان ولي أربعه
يخامرني وجهه كل يوم
فألغي مكاني وأمضي معه
أفاتحه بدمي المستفيق
فيذرف من مقلتي أدمعه
وأغمد في رئتيه السؤال
فيرفع عن شفتي إصبعه


فالمتلقي يشعر من البداية أن المشاركة التي أشرنا إليها في الجزء الأول، والتي تحفظ لكل قسيم وجوده وحركته، قد انتفت وبدأ تشكل جديد، ينطلق من الصراع، الذي خفف من حدته غنائية الثبيتي الشعرية، ولكن المتلقي يشعر أنه - على الرغم من هذه الغنائية - هناك بوادر للاختلاف والتنازع بين صوت الظل وصوت الإنسان. فالظل يرتبط بشغف الزوبعة، التي قد تشير إلى حالات التفرد التي يسير إليها، ويشعر بها بعيداً عن الفرد العادي، ويستمر التنازع من خلال الأجنحة التي تحلق في فضاءات مختلفة.
ولكن هذا التنازع أوالصراع، سرعان ما يحسم لصوت الظل، من خلال تنازل صوت الإنسان عن مكانه الطبيعي المعهود، فيعطي الظل - الشاعر حق القيادة والحركة والتواجد (فألغي مكاني وأمضي معه). وهذه السيطرة الخاصة من الظل يتجاوب معها إفصاح عن رؤية شعرية خاصة، كان صوت الإنسان المادي يلجمها أوعلى الأقل يرشحها. يتجلى ذلك الإفصاح بداية من قوله (زمني عاقر - قريتي أرملة - وكفي معلقة فوق باب المدينة - منذ اعتنقت وقار الطفولة - وانتابني رمد المرحلة - لدي سادن الوقت تشرق بي جرعة الماء - تجنح بي طرقات الوباء - تلاحقني تمتمات البسوس - أرى بين صدري وبين صراط الشهادة - شمساً مراهقة - وسماء مرابطة - ويمينا غموس) إن هذه الرؤية الأقرب إلى الاعتراف على المستوى الفردي والجماعي، ساعد على ظهورها سيطرة صوت الظل، وتوارى صوت الإنسان العادي المشدود إلى نسق اجتماعي خاص، يمارس دائماً في لحظة سيادته سلطة المراقبة على الشعرية المنتجة، ولكن هذا الصوت حين توارى، أحس المتلقي بالواقع الفردي والجماعي مقدماً في صورة صادمة إلى حد بعيد. وعلى هذا الأساس، فإن أكثر الأصوات الشعرية استجابة للشعر، هي تلك الأصوات التي يتوارى فيها صوت الأنا الإنساني، ليحل محلها صوت الظل - الشاعر، فتأتي الرؤية الشعرية جلية وصادمة، دون سلطة رقيب يرشد أو يرشح هذه الشعرية.

المصدر: صحيفة الجزيرة